السيد كمال الحيدري

462

أصول التفسير والتأويل

--> المنحى التعطيلى ، الذي يرى أصحابه بأنّ ارتياد البحث في هذه المفاهيم القرآنية والدينيّة بدعة ، وهو حرام شرعاً . لقد نشأت هذه النظرة ونمت في كنف اتّجاه من الصحابة بعد وفاة النبىّ صلى الله عليه وآله متأثّرة بالمناخ الذي أشاعته مؤسّسة الخلافة والخطّ الذي انتهجته على الصعيد العلمي ، هذا الخط الذي يقضى بتعطيل البحث في هذه الجوانب من المعرفة الدينية ، والحؤول دون السؤال عنها ، وأحياناً فرض العقوبة على السائل . لا يخفى أنّ هذا المنحى التعطيلى لا يزال يحظى برصيد في واقع المسلمين الحاضر ، بما له من منظّرين وأنصار ، وإن كان يمضى إلى انحسار . يرجع هذا الموقف بالتحليل إلى رؤية تعطيلية مناهضة للعقل ، تحرم عليه حقّه في المعرفة ، وتحظر على الإنسان ممارسة ما جُبل عليه من غريزة البحث والتفكير ، كما أنّها تتقاطع بالكامل مع الكتاب والسنّة فيما حثّا عليه من تدبّر وتفكير . ثمّ نزعة نشأت في حياة المسلمين الفكرية لم تكن أقلّ خطلًا من سابقتها ، فقد برزت اتّجاهات في تاريخ الفكر الإسلامي حملت هذه الحقائق على ظاهر معناها ومصاديقها المادّية ، فالعرش مثلًا عند ذوى هذه النزعة مخلوق كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله جلاله مستوٍ عليه كاستواء ملوك البشر على عروشهم ، والكرسىّ مثله ! هؤلاء هم المشبّهة والمجسِّمة من المسلمين الذين نزلوا بحقائق التوحيد من مستواها التنزيهي الرفيع ، إلى واقع مادّى ضيّق ، وقد فاتهم أنّ القرآن والسنّة والعقل تجتمع على مناهضة رؤيتهم وتُقاطعها بالكامل ، وهى تنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه أو يشبهه في ذات أو صفة أو فعل . أمّا النظرية الثالثة فيتمثّل جوهرها في أنّه ليس هناك مصاديق أو حقائق خارجية اسمها العرش والكرسي واللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات والقلم والميزان وما إلى ذلك ، بل هي محض استعمال كنائى عن أمور ، ف استوى على العرش مثلًا هو كناية عن استيلائه سبحانه على عالم الخلق ، أو أنّ الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأمور ، وهكذا من دون أن يكون وراء هذه الألفاظ حقائق واقعية موجودة في الخارج . يلتقى على هذه النظرية في الفكر العقيدي لفيفٌ من القدماء والمعاصرين ، وهى تواجه